ابن أبي الحديد
164
شرح نهج البلاغة
عند البديهة . قوى على الأمور ، لا يجوز بشئ منها حده عدوانا ولا تقصيرا ، يرصد لما هو آت عتاده من الحذر . فلما فرغ من الكتاب ، دخل عليه قوم من الصحابة ، منهم طلحة ، فقال له ( 1 ) : ما أنت قائل لربك غدا ، وقد وليت علينا فظا غليظا ، تفرق منه النفوس ، وتنفض عنه القلوب ! فقال أبو بكر : أسندوني - وكان مستلقيا - فأسندوه ، فقال لطلحة : أبالله تخوفني ! إذا قال لي ذلك غدا قلت له : وليت عليهم خير أهلك . ويقال ( 2 ) : أصدق الناس فراسة ثلاثة : العزيز في قوله لامرأته عن يوسف عليه السلام : ( وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ) ( 3 ) ، وابنة شعيب حيث قالت لأبيها في موسى : ( يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين ) ( 4 ) ، وأبو بكر في عمر . * * * وروى كثير من الناس أن أبا بكر لما نزل به الموت ( 5 ) دعا عبد الرحمن بن عوف ، فقال : أخبرني عن عمر ، فقال : إنه أفضل من رأيك فيه إلا أن فيه غلظة ، فقال أبو بكر : ذاك لأنه يراني رقيقا ، ولو قد أفضى الامر إليه لترك كثيرا مما هو عليه ، وقد رمقته إذا أنا غضبت على رجل أراني الرضا عنه ، وإذا ألنت له أراني الشدة عليه . ثم دعا عثمان ابن عفان ، فقال : أخبرني عن عمر ، فقال : سريرته خير ( 6 ) من علانيته ، وليس فينا مثله ، فقال لهما : لا تذكرا مما قلت لكما شيئا ، ولو تركت عمر لما عدوتك يا عثمان ، والخيرة لك ألا تلى من أمورهم شيئا ، ولوددت أنى كنت من أموركم خلوا ، وكنت فيمن مضى من سلفكم . ودخل طلحة بن عبيد الله على أبى بكر ، فقال : إنه بلغني أنك يا خليفة
--> ( 1 ) كلمة " له " ساقطة من ب ( 2 ) ا : " ويقال إنه " ( 3 ) سورة يوسف 21 ( 4 ) سورة القصص 26 ( 5 ) ساقطة من ب ( 6 ) ا : " تقصر عن علانيته "